العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام

وأوضاع الأمة الإسلامية اليوم  

 

1-               إن القسم الأول من العنوان ، اشبع درساً وتحليلاً من قبل كبار والعلماء والمفكرين ، لذلك فأن الحديث في هذه المحاضرة يتجه إلى الجزء الثاني من العنوان مع التذكر ببعض النقاط التي تجعل للعدالة في الإسلام طابعاً مميزاً .

    الأولى : - إن العدالة في الإسلام ، في كافة المجالات وفي الحقل الاجتماعي والاقتصادي بوجه خاص ، تعتمد على الأيديولوجية الإسلامية ، بل أنها أي العدالة ركن من أركانها. وذات تأثير كبير على الأركان الأخرى .

     فالعدالة في جميع مجالات حياة الإنسان ، الفرد والجماعة ، تبدو في القرآن الكريم كنتيجة للعدالة الكونية .

         إن الكون في الرؤية الإسلامية قائم على أساس العدل والحق ، ومن يشعر بالرسالة ويرغب في النجاح ، عليه أن يكون عادلا في سلوكه منسجما مع الكون ، وإلا فهو غريب في هذا الوجود مرفوض وفاشل يطوى في النسيان والإهمال . هذا المبدأ ينطبق على الفرد وعلى المجتمع على السواء .

     ولعل أبرز الآيات التي تؤكد هذا الرابط في القرآن الكريم هي ما ورد سورة الرحمن

"والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان"(الرحمن \7) .

    ثم أن العدالة من أبرز الصفات الثبوتية الإلهية ، وهي بالتالي تنعكس على الكون كله ، لأن العلة في رأي الفلاسفة ، حد تام للمعلول، والمعلول حد ناقص للعلة .

      هذا مضافا إلى أن الوصف القرآني لله هو: القائم بالقسط ، وهذا يعني أن العدل الكوني هو مفهوم القيام الإلهي بالقسط دون حاجة إلى استنتاج فلسفي أو تحليل علمي .

     والحقيقة أن هذا الأسلوب هو الطريق الشائع المعتمد في القرآن الكريم . حيث أنه يطرح النتائج التربوية للحقائق والوقائع ، دون الوقوف أمام تحديات الحقائق وتحليل أبعادها ، ودون الدخول في التاريخ الوقائع وتفاصيلها. وخلاصة القول أن العدالة الكونية التي هي رؤية إسلامية ، وهي أيضاً نتيجة الإيمان بعدالة الخالق ، هذه العدالة الكونية تضع القاعدة الثابتة للعدالة في حياة الإنسان الفردية والجماعية اقتصادياً وسياسياً ، واجتماعياً ، غيرها .

      ومن جهة ثالثة : فإن الباحث في أصول الدين الإسلامي وفي أسس العقيدة ، يشاهد بوضوح أن المدخل الأصلي لإثبات ضرورة إرسال الرسل للاستدلال على ثبوت الميعاد والحساب . إن المدخل الأصلي هو العدل  الإلهي مما يوضح مدى أهمية العدل في أسس العقيدة الإسلامية ، مدى تأثير هذا المبدأ ، حسب التوجيه التربوي ، في سلوك الإنسان عامة ، وفي عدله الاجتماعي والاقتصادي عند فرده  ولدى مجتمعه ، بصورة خاصة.

      الثانية : إن المعادلة القرآنية العامة التي تؤكد مساواة الإنسان لعمله في الآية الكريمة " وإن ليس للإنسان إلا ما سعى" أن هذه المعادلة قائمة في موضوع العدالة أيضاً ، بحيث أن العدل يساوي وجوده وجود الإيمان ، وأن الإيمان لا وجود له بدون سلوك الإنسان لتحقيق العدالة .

    " أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين " (الماعون \1-3) وهذا المبدأ يعبر عنه الحديث النبوي الشريف بعبارة أخرى "ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائع".

   ومئات الأحكام الإسلامية التي تدخل العدالة الاجتماعية والاقتصادية في صميم العبادات وضمن شروط صحتها ، تعكس بوضوح أن هذين المبدأين ليسا حكمين فرعيين ولا واجبين عاديين بل انهما مبنيان على أصول العقيدة والإيمان ، لا ينفصلان عنهما ، ولا يعترف الإسلام بوجود إيمان لا يثمر العدالة في حياة الفرد والجماعة.

      ومن هنا تصبح العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام عميقة ، دائمة وشاملة ، لأنها ممتزجة مع كيان المؤمن ، نابعة من ذاته لدى فرده وفي جماعته .

الثالثة : - إن الإسلام في وضعه لمبدأ العدالة ، يرسم لها أبعاداً واضحة تمنع الميوعة ويقدم لها ضمانات تمكنها من التطوير والتصاعد حتى اللانهاية ، وهذه الصفة من الأهمية بمكان .

     فالترابط المتقابل بين مسؤولية  الفرد ومسؤولية الجماعة لأجل تحقيق العدالة ، هو من الأبعاد المرسومة لها . أن الفرد مسؤول عن سلامة المجتمع حسب مبدأ "كلكم راع" وكل راع مسؤول رعيته" ولأنه مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن كل ما يملك من أموال وطاقات وتجارب وحتى الصحة والقوة الجسدية أن كل ما يملك ليس ثمرة جهده لشخصه بل شارك في تكوينه الآخرون ، من معاصريه ومن الذين سبقوه ، فمثله كمثل الشجرة المثمرة ، يحمل الثمرة غصن منها ، ولكن الشجرة بأغصانها وأوراقها وجذورها ساهمت في إنتاج الثمرة واستفادت من الهواء والشمس والماء والأرض وغير ذلك من العوامل الطبيعية ، ومن الجهود البشرية المتنوعة .

     وبكلمة أن الفرد أمين على ما يملك ، مسؤول عنه أمام المجتمع ،بل أمام الماضي والمستقبل ، هذا التحليل يؤكد أن الفرد لا يحق له أن يحتكر ما عنده ، ولا يتلفه أو يهمل في شأنه ولا يجوز له أن يسيء إلى نفسه أو يؤذيها . فكيف بالإنتحار. أن كل هذه وأمثالها في الحقيقة تعد ، أو تفريط في حق الجماعة . كما وأنها تلقى أضواء على كلمة الاستخلاف الواردة في القرآن واعتبار الأموال أمانة " وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" (الحديد\7) .

        وفي مقابل المسؤولية الفردية عن سلامة المجتمع ، تأتي مسؤولية الجماعة عن الفرد ، والأحاديث وفتاوى الفقهاء ، تثبت مسؤولية القرية بجميع أبنائها عن موت شخص جوعاً . والحقيقة أن المسؤولية موجودة مع أي نوع من أنواع الموت وعن الأضرار والإيذاء والإساءة إليه وفي الحديث " أن أهل القرية يبرأون من ذمة الله ورسوله " وذلك لأنهم خانوا أمانة الله ونقضوا عهد الله عندما لم يؤدوا مسؤوليتهم تجاه الفرد هذا .وما يقال عن القرية ، جاز في المدينة وفي الأوطان وفي أرجاء بلاد الأمة التي تشكل وحدة متكاملة.

     وعلي(ع) يسأل مستنكرا : " أأبيت مبطانا وما حولي بطون غرثى أو  أكباد حرى ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع" .

      أما الأفراد ، بعضهم بالنسبة إلى بعض ، فالرؤية التي نكتشفها من الآيات القرآنية ومن الروايات ، أنهم جميعاً يشكلون جسماً واحدا ، وإذا اشتكى عضو يتألم  الآخر. وأن أموالهم ونفوسهم وعقودهم وعهودهم ، هي للجميع ، وهذا بعد آخر يلقي أضواء جديدة على المجتمع وتكونيه ، يكشف من  الآيات الكريمة التالية :

       " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" " لا يغتب بعضكم بعضاً " " وبعضكم من بعض " وكلمات العقود والعهود في القرآن .

      ويشير القرآن الكريم في مواضيع عديدة إلى المجتمع الذي تسوده العدالة وإلى نتائجها ، وإلى الأخطار التي تحيط به حال عدم توفرها ، وذلك لأن العدالة تمكن الجميع من السعي البناء ومن العطاء فيعود الخير إلى الجميع أيضاً ، بينما غياب العدالة عن المجتمع ينجم عنه حرمان قسم كبير من المجتمع ينجم عنه حرمان قسم كبير من المجتمع من بعض حقوقه أو كلها ، ومن بعض كفاءاته أوكلها ،  ويعم الحرمان عند ذلك كافة أبناء المجتمع ،بل المجتمع نفسه ، ناهيك عن الأمراض والأخطار التي لا تقتصر على الفئات المحرومة بل تصيب الجميع ، كالأخطار المادية التي تحصل من سوء التغذية ، ومن عدم توفير شروط العيش الصحيح . وكذلك الأخطار الأخرى التي تحدث في نفوس المحرومين ، وتنتهي عند تركها إلى الانفجارات في المجتمعات . فلندرس بعض هذه الآيات :

    " هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وانتم الفقراء ،وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ، ثم لا يكونوا أمثالكم " (محمد \38) .

      " وما تنفقوا من خير يوف إليكم وانتم لا تظلمون " (الانفال\60)               

      " وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"(البقر\195).

                إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة الواردة في الإنفاق ، الإنفاق بمفهومه القرآني هو المساهمة الشاملة من كل ما انفق الله على الإنسان من مال أو فكر أو سعي ونضال . أن التأمل في هذه الآيات يؤكد أن عودة الخير للمنفق وابتعاده عن الظلم وعدم وقوعه في التهلكة ، ليست منحصرة في الجزاء الإلهي الذي ينتظر الإنسان يوم القيامة ، والذي يسميه القرآن بالجزاء الأوفى بل أنها تضم النتائج الأخروية ، وهذه تسمى بالجزاء الأدنى والعذاب الأدنى .

بكلمة : إن من يسعى لتوفير فرص الحياة للآخرين كان الساعي فرداً أو جماعة ، وكان من يسعى لأجلهم فرداً  أو جماعة ، يساهم في الحقيقة لعودة الخير إلى نفسه ، ويبعد عن نفسه أيضاً خطر الظلم والهلاك ، وذلك لما يترتب على هذه المواقف من نتائج وآثار اجتماعية أصبحت اليوم من الواضحات .

  وإذا لاحظنا أن الآية الأخيرة وردت في سياق آيات الجهاد ، نجد الانسجام التام بين الإنفاق           بالنفس الذي يؤدي إلى الاستشهاد ، وبين عدم إلقاء النفس في التهلكة الناجمة عن طغيان العدو أو ظلم الطغاة ، وترتفع الشبهة المطروحة حول معنى الآية الكريمة.

      البعد الآخر الخاص للعدالة الاقتصادية والاجتماعية في المدرسة الإسلامية ، هو أن درجة العدالة تتفاوت ، والمراحل التي يمر بها تنفيذها في المجتمعات تبدو وكأنها غير متناهية، شأنها شأن سائر الأهداف الدينية اللامتناهية .

     ذلك لأن العدالة في الواقع وسيلة لإعطاء فرص الكمال للإنسان وليست غاية بحد ذاتها يقف الجهد عند تحقيق أولى مراحلها ونتيجة هذه الرؤية تبدأ العدالة بدرجة من التحسس الفردي ، ثم تنمو وتتحول إلى الجهد المتزايد لدى الفرد من جهة وتسري إلى الجماعة المتمثلة بالسلطات الوطنية من جهة أخرى ، ثم تنمو العدالة في المجتمع باتجاه شيوعها لدى الأفراد جميعاً باتجاه العمق النوعي .

     فكما أن التحسس يصبح سعياً وعملاً ، كذلك فان العدالة في حدها الأدنى أي درجة توفير الحد الأدنى لفرص الحياة تتحول إلى خلق درجات اكثر من الفرص حتى المساواة بين المزيد من أبناء المجتمع الواحد ، وبعد ذلك يأتي دور التكافل والتضامن والتضحية ، حتى نصل إلى دور الإيثار . مع الانتباه إلى أن لا يتحول هذا التنازل إلى نسيان حق الآخرين من الأقربين ، كما يحصل عادة عندما يبالغ الفرد في السخاء ، ولعله المقصود من الآية الكريمة " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا" (الاسراء\29)

    ولنشر لدى تعداد الأبعاد الإسلامية للعدالة الاقتصادية والاجتماعية ، إلى الناحية الفنية التي أخذت خلال المؤتمر الاهتمام المطلوب ، فلنشر إليها إشارة خاطفة إكمالا للصورة في هذه المحاضرة :

     إن تحريم الربا يكشف عن عدم رضا الشرع الإسلامي بإنجاب رأس المال المتجرد عن الجهد.

 كما وأن  ما ورد في الفقه من عدم صحة وضع حصة خاصة لوسائل الإنتاج (سواء كانت البقرة أو الآلات البدائية ) دليل على أن وسيلة الإنتاج لا يمكنها أن تشارك في الأرباح . أما العمل وهو في رأي الإسلام العنصر المفضل من عناصر الإنتاج فيحق له الاشتراك في الأرباح دون الخسائر ، كما يحق له اخذ مبلغ ثابت بعيدا عن المغامرة ، ذلك الذي نسميه بالأجرة .

   ثم إن مزيدا من التأمل في أحاديث الزكاة وما ورد عن الأئمة والسابقين من الفقهاء ، إن التأمل يضيف بعدا جديدا للعدالة يقرأ بوضوح في ضمان الفقر سوى الفقر الناتج عن الكسل ، وضمان الشيخوخة والطفولة والمرض بصورة خاصة ضمان الطوارئ ، كابن السبيل والغارمين وفي الرقاب وكل ما في سبيل الله وغير ذلك ، هذا البعد هو قبول الإسلام بمسؤولية المجتمع التامة عن الحالات الاجتماعية الصعبة ، الدائمة منها كالشيخوخة والعجز الناجم عن النقص ، أو الطارئة المؤقتة .

 

أوضاع الأمة اليوم

       ولدى المقارنة الدقيقة بين العدالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بما لها من جذور أيديولوجية وأبعاد واضحة ، وبين واقع مجتمعات الأمة في يومنا هذا نجد البون الشاسع .

     أن ربع القرن الأخير شاهد في أرجاء العالم الإسلامي مساعي ومكاسب حثيثة في حقل العدالة وفي تطبيق قسم من الأحكام المرتبطة بها إلا أن الأسس الضرورية لها لم تكن متوفرة، ولذلك نجد هذه المساعي وتلك المكاسب متفرقة ، غير منسجمة وقليلة النتائج .

  فالانفصال بين مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية وبين الأيديولوجية الإسلامية ، وهو جزء من مأساة الفصل بين العقيدة والشريعة ، هذا الانفصال بوجوده وبقناعة المسلمين على مختلف فئاتهم فيه ، أفقد العمق والشمول والدوام في أسس العدالة حتى أصبحت العدالة الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما أصبحت مطلبا اجتماعياً وموضوعاً سياسيا صرفا.

    هذه العقيدة المنفصلة عن نتائجها الاجتماعية بقيت شعورا نفسيا لدى اكثر المسلمين ، لا تؤثر في أوضاعهم الحياتية ولا في سلوكهم الخاصة والعامة لدى البعض بالعبادات فقط لتنظيم العلاقة بين الفرد وخالقه فحسب ولتسهيل رحلة الموت ليس إلا أننا نعرف بالضبط متى حصلت هذه المؤامرة ؟ وهل تمت على يد الصديق الجاهل ؟ أو العدو المتربص ؟ ولكن الثابت أن الصورة كانت موجودة قبل التفاعل الفكري بين أوروبا وبين العالم الإسلامي ، ثم برزت بعد هذا التفاعل بشكل واضح ومؤثر حتى أصبحت هي المدرسة الطاغية على الأمة .

     أن الله يعبد في المعابد وفي أيام الجمعة وشهر رمضان ، والإيمان ينعكس على الإنسان في ظروفه الصعبة ، لدى مرضه ، وفشله وهزيمته ، وفقره ، شيخوخته . أما ساعات الحياة ، وأوقات الشباب ، والصحة ، والنصر ، والنجاح ، فلا !

    والسوق والمصنع والحقل والمكتب وسائر أماكن الحياة ، مسدودة في وجه الإيمان ، خارجة عن سلطانه .

     إن الذين أسسوا هذه الرؤية وبشروا بها ، إذا كانوا قد أرادوا مجالات للعمل لا ينافسهم الإيمان ولا يراقبهم الله ، حتى يمارسوا مطامعهم وأهواهم ، ويستغلوا الإنسان دون رحمة ويختاروا وسائل لكسب الأرباح دون قيد ولا شرط ، ودون التزام منهم باختيار الوسيلة الشريفة للكسب، إن الذين أرادوا هذا ، وهم رسل الحضارة الغربية المادية ، أولئك الذين اعتبروا المشاعر الدينية والإلتزامات المعنوية عقبات في طريقهم فاستمروا بقلع جذورها وبإطفاء جذواتها في العالم ، بعد أن قضوا على أيام أسكولاستيك ورجالها ثم فتحوا بذلك الساحة للرأسمالية ، رسالتهم المقدسة ، حتى  بدأت تمارس عملها بحرية مطلقة دون أي التزام ، فصنعت وأنتجت وبالغت في الإنتاج ، وفتشت عن أسواق للاستهلاك ، فاستعمرت ، واستثمرت ، وحاربت ، وفتكت بالشعوب ، وبالحضارات ، واصطنعت الحاجات و و و

       إن هؤلاء في نهاية المطاف سيلاقون ، وقد بدأت العلائم تؤكد ما سيلاقون ، من حفر قبور حضارتهم وتحطيم الإنسانية ومدنيتها ، لأنهم بعملهم خلقوا في ساحات الحياة فراغا عقائديا ، وفقرا يكاد يكون كفرا ، وتناقضات خلقت لشعوب العالم ولهم صعوبات مستعصية وآلاما لا علاج لها .

   نعود إلى وضع أمتنا ، بعد هذه الجملة المعترضة لنقول : لقد انفصل الإنسان عن العدالة ، أفرغت العبادات عن محتوياتها و أصبحت طقوسا رغم أن القرآن الكريم أكد مرات ، أن العبادات ، والصلوات بالذات ، إذا اقترنت بمنع الماعون ، أو أي حاجة أخرى عن الجار ، فالويل للمصلي .

     ولعل بعض رجال الدين بدعوتهم أو بسكوتهم ساهم في أن تحل العبادات موضع العدالة ، مع أن الإسلام أعلن : أن أفضل العبادات كلمة حق عند سلطان جائر .

   ومن الواضح أن نتيجة السلوك التربوي هذا كانت خطرة للغاية حيث أن فقدان العدالة في المجتمعات تجاوز نطاق الأخطار السياسية الاجتماعية إلى الانحرافات العقائدية فخلقت خيبة أمل كبرى بالنسبة إلى الدين المتمثل بمؤسساته وبرجاله ، أولئك الذين يسكتون عن هذه المظالم ، ولا يناضلون لأجل الناس .

      وخلاصة القول أن هذا الانفصال خلق فوضى في المساعي الرامية لتحقيق العدالة في مجتمعاتنا ، وترك صعوبات اجتماعية وسياسية وعقائدية بالغة .

وعندما تتحقق العدالة بصورة جزئية لدى بعض المجتمعات بمعزل عن القاعدة العقيدية ، فان الصعوبات تتعاظم ، لأن العدالة هذه تحمل معها مقارناتها العادية والثقافية ، وتفرض على المجتمع نوعاً معينا من الاستهلاك ، وبالتالي أسلوبا جديدا للحياة يعرضه للضياع .

     إن مسؤولية علماء الدين في هذا الميدان كبيرة ودقيقة وعاجلة لأنهم أمناء على خدمة الأمة وأبنائها ، سيما المحرومين منهم ،ولأنهم وحدهم يتمكنون من إعطاء صورة صحيحة عن نضال المحرومين والمظلومين داخل المجتمعات ، ومن أبعاد صفة التطرف والإلحاد عنه، وبصورة خاصة أن علماء الدين يقدرون على منع التشويه عن المساعي التي تبذل لوصول الحقوق إلى أصحابها ، فقد اعتاد الظالمون والمغتصبون من اتهام هذه الحركات بالإلحاد أو بالطائفية ، وخير علاج لهذه الأسلحة الفتاكة ، هو وقوف علماء الدين معها وتبنيهم لها.

      إن واقع الأمة في يومنا هذا ليس فقط مصابا بعدم الإدراك للعدالة الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية وما ينجم عنه من أخطار الانفصال وعدم الرؤية الشاملة للعدالة وغيرها.

       بل أن الواقع يؤكد عدم ممارسة العدالة الاقتصادية والاجتماعية إلا في حالات نادرة.

      فالمحرومون من الحياة الكريمة ومن العدالة ، يزداد عددهم باستمرار داخل المجتمعات الإسلامية ، ويتعمق إحساسهم بالحرمان بصورة متزايدة ، نتيجة لوجود البذخ والتظاهر بالغنى والترف فيما بينهم .

     والشعوب الإسلامية تعيش اليوم في البلاد المختلفة بأقصى أنواع التفاوت بين مستويات الحياة ، بعد بروز الثروات الطبيعية وارتفاع أسعار المواد الأولية في البلاد ، فقد زاد فقر الشعوب الكثيرة وزاد غنى الآخرين .

     يحصل كل ذلك ويبدو الواقع المرير بوضوح أمام الجميع ، دون أي تبرير لتطبيق العدالة بين هؤلاء الشعوب الذين ينتمون إلى أمة واحدة .

     لقد ساهمت الدول العربية الغنية في تمويل الموازنة الحربية للدول المواجهة ، ولكن المساهمة هذه لم تبلغ عشر الأرباح التي وفرتها لهم الحرب . ثم المساهمة في الحرب مع إسرائيل لا تغني عن ضرورة المساهمة مع الشعوب المسلمة التي تكافح الفقر والجوع والتخلف.

      هذا مع العلم أن المطلوب لتحقيق العدالة ليس المساهمة والهبة بل القروض دون فوائد ، تمكن الشعوب الفقيرة من رفع مستوى حياتها بواسطة تنفيذ مشاريع التنمية . وقد شجع الإسلام على القرض دون فائدة ، واعتبر أن درهما من القرض يقابل بأجر من عند الله يفوق درهم الصدقة .

      وإذا ما تابعنا دراسة أوضاع الأمة نجد ما يدهشنا ، حيث أن الدول الإسلامية تعامل الشعوب الإسلامية الأخرى معاملة الشعوب الأجانب ،بل في بعض الأحيان تعاملهم بصورة أقسى .

      فالجمارك الشائعة على المنتوجات ، والقيود المفروضة على العمال وعدم تمتع العمال المسلمين في أكثر بلاد الإسلام بالحقوق المطلوبة ، والظروف القاسية التي تحيط بالخبراء المسلمين الذين يهاجرون إلى البلاد الأخرى ، وتعرضهم للإهانات والمن والأذى ، وتأثير العلاقات المتوترة بين الحكام على العلاقات بين الشعوب ، خاصة على الفئات الكادحة ، أن هذه الملاحظات وغيرها كثيرة ومؤلمة وتؤكد غياب العدالة عن ساحات  الأمة في هذا اليوم .

ولا بد من إضافة خطوط أخرى لكي تكتمل الصورة الحقيقية عن واقع الأمة ووضع العدالة فيها أنها وضع الشباب ، القلق الذي يساورهم حول المستقبل من جهة ، والانحرافات التي تعتريهم بسبب فقدان الرعاية الدقيقة من جهة أخرى ، وكذلك وضع المرأة ، ووضع سكان المناطق النائية، والمزارعين في أكثر البلاد الإسلامية .

     والآن وفي نهاية هذا العرض أقدم المؤتمر الكريم هذه المقترحات :

1-             إصدار توصية لجميع علماء الدين في العالم الإسلامي ، وإلى جميع المؤمنين الذي يرغبون تحقيق الأهداف الإسلامية : إن يضعوا في طليعة واجباتهم ، الوقوف إلى جانب المحرومين والظلومين وتبني قضاياهم ، حسب ظروف بلادهم ، وأن يناضلوا من أجل تحقيق العدالة مهما كلفهم ذلك من ثمن وتضحيات .

2-                مناشدة الحكومات في العالم الإسلامي ، ضمن رسالة مفصلة ، أن يعتبروا هذه المرحلة من تاريخهم ، وبعد أن استقلت بلادهم مرحلة البناء الداخلي ، ووقت إسعاد المحرومين بواسطة المشاريع التي تحيق ذلك .

3-                مناشدة الحكومات التي تلتقي في المؤتمر العام للدول الإسلامية وضع مشاريع لتنمية المناطق والطبقات المحرومة ، وإصدار قوانين لتحسين أوضاع العمال ، والخبراء ، والمهاجرين،الذين يعيشون في بلادهم ووضع تشريعات خاصة بالمسائل الجمركية ، وقضايا التصدير والاستيراد، بحيث تحقق مزايد من العدالة بين الشعوب المسلمة .

4-               وضع دراسة كاملة عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام وأهميتها وموقعها في الدين ثم تعميمها بواسطة الإعلام والكتب المدرسية ، وبوجه خاص بواسطة الجامعات المعنية بالقضايا الاجتماعية والمعاهد الدينية

(من محاضرات الملتقى التاسع للفكر الإسلامي الجزائر تلمسان 1-15-رجب 1395 هـ).