آيـات مـن: سـورة

الـحـشـر

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (1) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (2) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)

الحـشــر

 

أيها الاخوة المؤمنون، إنّ معرفة الله تشكل في الرسالات السماوية وفي الأفكار الاجتماعية المؤمنة تشكّل الهدف والبداية، والقسم الأهم من التعاليم والأحكام فيها. والمعرفة مع ذلك نجدها تختلف من مدرسة الى أخرى، ومن دين الى دين. بل إنها تتطور في إدراك الإنسان المؤمن، وفي مختلف الأفكار بالتدريج، وتتعمق أبعادها، وتتضح معالمها كلما ارتفعت مستويات الفكر البشري، وكلما ازدادت ثقافته ووعيه، وتطور هذا الإدراك يشكّل الأساس في تطور الأديان والأفكار، وتنعكس على جميع التعاليم والمفاهيم والأحكام، حتى أصبح يُعرف الدين والمدرسة الاجتماعية المؤمنة والآراء الفلسفية التي تبحث عن الإنسان. أصبح كل هذا يُعرف بواسطة الصورة التي يقدّمها عن الله والمستوى الذي وصل إليه في معرفة الله.

 

فالإنسان منذ اللحظة الأولى أدرك أنّ للخلق خالقاً، ثم بدأ يدرك، بتفكيره أو بواسطة الأنبياء أو المفكرين، بدأ يدرك أبعاداً جديدة عن الله وصفات أخرى له، فعرف فيما بعد أنه رازق وأنه مدّبر، ثم عرف أنه ملك جبار عظيم، وفي ما بعد رآه بصفة الأبوّة التي تجمع الخلق والرزق والرحمة وغير ذلك من الأوصاف.

 

أما القرآن الكريم فيقدّم لمعرفة الله سورة واسعة وواضحة تتعمق في العقل، وتتفاعل مع القلب، ثم تنعكس على العمل، فهو إذ يصف الله بجميع الصفات الحسنة، وينزهه عن كل عيب ونقص، ويؤكد على صفة الإحاطة على الغيب والشهادة، وأنّ السماوات مطويات بيمينه، وأنه لا يغرب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ثم الى جانب هذه العظمة واتساع الوجود الى اللامتناهي، يضيف القرآن لدفع أي شبيه فيقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة:186)، وأنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه أقرب الى الإنسان من حبل الوريد، والإنسان يدرك بإجلال ويتفاعل مع هاتين الصفتين: العظمة والقوة.

 

ويضيف القرآن أنّ الله هو الأول والآخر والظاهر والباطل، وهو العليم الخبير والسميع البصير، وأنّ له ملك السماوات والأرض، وأنّ إليه المصير، كما يكرر باهتمام بالغ صفة الرحمانية والرأفة والإنعام والتفضل وحب الله لعباده، ولزوم حب الإنسان. وفي الوقت نفسه يقف عند صفات الجبروت والكبرياء والقهر والنقمة، كما تلونا في الآيات المباركة التي افتتحنا بها تفصيلنا هذه الليلة.

ويزداد اهتمام القرآن في توصيف الله بالوحدة بجميع معانيها، فهو الواحد الذي لا شريك له، والأحد الذي لا جزء له، والفرد الذي لا يعدّ، ولا ثاني له، والصمد الذي لا يحتاج الى مَن أو ما يسد ثغرته وحاجته، وهو الذي لم يلد ولم يولد. وهكذا، ينقطع عن كل شخص، فالإنسان أي إنسان، والشيء أي شيء، والزمان أي زمان، والمكان أي مكان، جميع ذلك متساوٍ أمام الله مع غيره كأسنان المشط، والتوحيد القرآني يرفض الإيمان والعبادة لغير الله، كما يرفض الطاعة والحكم والولاء والاستعانة والدعوة إلاّ لله ومن الله، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله، ومَن ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه.

 

وهكذا، تكتمل الصورة، وتزداد المعرفة، ويصبح الإيمان الحي بالله يجري مجرى الدم في حياة الإنسان، وفي كافة لحظاته وحركاته وعلاقاته، فيصبح مع الله ويحس أنّ الله معه أينما كان.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته