بسم الله الرحمن الرحيم
الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)
الـرحـمـن
إنّ هذه الآيات، حتى نهاية السورة المباركة، تعمّق المشاعر البشرية، بالنسبة الى الله الرحمن. وتستعرض نعم الله (سبحانه وتعالى) على عباده في مختلف حقول حياته. تستعرض هذه النعم لا مناً منه علينا، فهو تعالى غني عن عباده. ولكن الهدف تنمية الحب في نفس الإنسان، الذي فطر على احترام من أحسن إليه، وعلى حبه. وهذه صورة أخرى من صور التربية القرآنية، وخلق المعايشة للقلب مع ذكر الله تمهيداً لإيجاد الإيمان في النفس. وقد تحدثنا عن بعض الصور الأخرى في الحلقة السابقة.
والملاحظ أنّ القرآن في بداية كل فصل من فصوله، يذكر صفتي الرحمانية والرحيمية لله، وهذا مما يؤكد هذه الغاية. واستعراض نعم الله تعالى في القرآن، ودفع الأذى عن العباد، وقبول توبتهم، والتأكيد على حب الله للإنسان، ونصرته له، كثير وكثير جداً.
كذلك نشاهد الآيات التي تحث على حب النبي، وموالاته وإطاعته، وعلى احترام وتقديس الملائكة، وعلى إلفات النظر الى كرامة الموجودات، بصورة مختلفة، وعلى احترام المؤمنين بالله، وغير ذلك من الآيات، مما يؤكد بالنتيجة هذه الناحية العظيمة العاطفية.
ولا بد من إضافة ناحية أخرى، وهي الاهتمام القرآني بالدعاء. وخلق الأمل بالاستجابة. وأنّ الله هو للمضطرين، والمنقطعين، والمستضعفين، والمتعبين، وأنه مع الإنسان في أشد حالات اليأس. كالتي تحصل للغريق، أو للعطشان الذي يظن أنّ السراب في الصحراء ماء، حتى إذا ما أتاه ولم يجد شيئاً، وجد الله عنده.
أقول: إنّ من نتائج هذه الناحية أيضاً تعميق الحب والأمل، وتنمية العواطف البشرية بالنسبة الى الله.
والسبب في هذا الاهتمام القرآني، الذي يجب أن يكون درساً للمربين جميعاً، هو أنّ العاطفة عنصر متمم للتفكر، لأجل إيجاد الإيمان في النفس. وإلاّ فالتفكر وحده، دون الحب، أشبه ما يكون بالفيلسوف العجوز الذي يكتفي بالتفكر، ويتقنه، ولكن لا يتمكن من إنجاز أفكاره أبداً.
ونقطة الأساس في هذه التربية، في مرحلتي التفكر والحب، هي وحدة الخط في أقوى وأدق صورة ممكنة. فالاتجاه العام أن يصبح الإيمان متعلقاً بالله، دون أن يكون لأي شيء، أو لأي شخص تأثيره في هذا الالتزام. فالذات الإنسانية في أساسها، هي لله وإليه تعود. فعلى الإنسان أن يضعها في طريق حبه الكبير، وإيمانه بالله، وأن يحس بأنّ السعادة الكبرى تتطلب منه أن يذيب ذاته في طريق مرضاة الله، وأن يفنيها فيها. وإذا كان القلب هو نبع المشاعر في المصطلح القرآني، فإنّ الله يحول بين المرء وقلبه، فهو أقرب إلينا من قلوبنا.
وبعد اتخاذ الذات حجمها الحقيقي، والذات هي الصنم الأكبر، وبعد انسحابها عن مسرح العبادة، وعن القيام بدور الدافع الأول في تحركات الإنسان، بعد ذلك يتصدى القرآن للأرحام، والأولاد، والأموال، فيعتبرهم جميعاً نعماً من الله، وزينة لحياة الإنسان، ولكنها في نفس الوقت، فتنة واختبار لا يمكن أن تتجاوز الحدود، فتصبح الغاية الأصلية من الحركة.
ويتصدى أيضاً للحاكم وللمشرّع والولي، فيضع جميع ذلك ضمن إطار الولاء، والإطاعة والحكم لله، دون انحراف، وإلاّ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويرفض بشدة جميع أنواع الشرك، فيعتبره تمزيقاً للإنسان، وتفريقاً لطاقاته.
هذه نبذة عن الأسلوب القرآني، حول السلوك التربوي المتّبع لإيجاد الإيمان بالله في نفس الإنسان، وسنصل لنتائج هذه الطريقة في الحلقات القادمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته