آيـات: الـهـدايـة

و الـضـلالـة

 

 

أولئك الذين أرادوا كما تصفهم الآيات الأوائل من سورة آل عمران:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ (37)

الـزمــر

 

وكي نصفّي أذهاننا مما علق فيها بعد دراسة هاتين الكلمتين، وهما: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}.

 

قيل إنّ هذه الآيات تؤكد عدم اختيار الإنسان في حياته أو ما يسمى في الفلسفة والكلام بـ"الجبر"، وقيل إنّ الله قد هدى جماعة وقد أضل جماعة، أما الضالون فلا يمكنهم أن يهتدوا، كما أنّ المهتدين ليس لهم مجال من الضلالة.

 

{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}، وهكذا وصلوا الى حقيقة فلسفية تبنّاها البعض من أنّ الإنسان إما أنه قد كُتب من الضالين أو من المهتدين. فلا يملك شيئاً لكي يغيّر صنفه، ولكي يبدل طريقته، وعلى هذا الأساس اعتبروا نتيجة للرواسب الوثنية ونتيجة للمشاعر الأنانية، وصلوا الى تصنيف البشر، والتصنيف هذا على أنواع مختلفة، عشنا بعض أنواعها في الهند ونعيش اليوم أسوأ أنواع التصنيف في الفكرة الصهيونية.

 

والحقيقة، أننا إذا نريد أن نفهم القرآن الكريم، فعلينا أن ننظر الى العرف القرآني الخاص، والى المصطلح القرآني الخاص، وأن نضم بعض الآيات الى بعض لكي نكتشف المعاني. أما إذا أخذنا نصف الآية، كما يقول المثل المعروف: فقلنا لا إله، وتركنا إلاّ الله، فكلمة التوحيد تتحول الى الاعتراف بالكفر.

 

وبالنسبة لهذه الآيات علينا أن نذكر المناخ الذي نزلت فيه هذه الآيات، فكأن الناس يفرضون آراءهم على الله (سبحانه وتعالى)، ويصنّفون الناس ويقولون إنّ الله عليه أن يدخل جماعة في الجنة وأن يدخل جماعة في النار، وهذه الفكرة كما نعرف بعض أنواعها لدى الصهيونية قائمة، فإنهم اعتبروا أنّ أولاد إسرائيل هم المهتدون، وهم شعب الله المختار، وهم الذين اهتدَوا ونجحوا، وهم الذين يحق لهم أن يتصرفوا في الناس كما يشاؤون. وقد سبقتهم على هذه الفكرة فئات أخرى في الإغريق، وفي أوروبا، وفي بعض المناطق الآسيوية، عندما كانوا يصنّفون الناس ويعتبرون بعض الناس من ذرية عائلات خاصة محتوم على الله أن يدخلهم الجنة بعد الموت، كما أنّ الله مفروض عليه أن يجعلهم فوق البشر في هذه الدنيا.

 

هذا المناخ الذي كان يفرض في عقيدتهم على الله الهداية والضلال لشعائر ولعائلات ولأصناف أراد القرآن الكريم أن يرفض ويقول: لا يحق للإنسان أن يفرض على الله صنفاً للهداية وصنفاً للضلال، بل الله هو الذي يختار الضال، وهو الذي يختار المهتدي {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}. وفي آية أخرى {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل:93).

 

إذاً، الله هو الذي يختار الضال ويختار المهتدي، وهنا يأتي السؤال: ومَن الذي اختاره الله للضلال؟ ومَن الذي اختاره الله للهداية؟

 

الآيات الأخرى تجيب عن هذا السؤال فيقول القرآن الكريم في مئات من الآيات: إنّ الهداية والضلال نتيجتان لعمل الإنسان. فالله اختار أنّ الذي يسلك الصراط المستقيم يهتدي والله اختار أنّ الذين يسلكون سبل الانحراف والأهواء يضلّون عن السبيل.

 

إذاً، إرادة الله في التسبّب بين السلوك الصحيح وبين الهداية وبين السلوك المنحرف وبين الضلال. وهذا ثابت في الوسائل العلمية الحديثة والأسباب الموجودة بيننا، عندما نريد أن نضيء فعلينا أن نضغط على الزر المتصل بهذا السراج. فإذا ضغطنا على الزر ولم يضئ السراج فهناك انحراف، وخروج عن إرادة المبتكر، أو إرادة المهندس الذي وضع الزر للضياء.

 

إذاً، أراد المهندس أنك إذا دست على هذا الزر يأتي النور، الترابط بين الزر والنور هو الإرادة والترابط بين الهداية والعمل هو الإرادة الإلهية. ومما يؤكد هذا المفهوم أنّ في نفس الآية التي تشير الى قوله: {يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء}. بلا فاصل تقرأ هذه الجملة: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل:93). إذا كانت الضلالة والهداية مفروضة على الإنسان فلماذا المسؤولية؟ والجمع بين صدر الآية وذيلها يعطي هذا المفهوم الذي ذكرنا.

 

إذاً، الإرادة والحتمية نفي للتصنيف البشري، والآيات الأخرى تفسر هاتين الجملتين: الضلال خلال عمل الإنسان والهداية نتيجة عمل الإنسان، وقد تؤكد على ذلك سورة "الشمس" بأيامين ثابتة: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا . وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا . وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا . وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} (الشمس:1- 6). ثم يضيف: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس:7-10).

 

وفي آيات أخرى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور:21). أيضاً: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدّثر:38). وعلى الصعيد الاجتماعي: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11-13). مبدأ المسؤولية والاختيار مبدأ واضح في القرآن الكريم لا يمكن الانحراف عنه. الآيات كلها تلقي أضواء، وترسم هذه اللوحة الواضحة في القرآن الكريم.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته