آيـة: وضـرب
لـنـا مـثـلاًَ ونـسـي خـلـقـه
بسم الله الرحمن الرحيم
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80)
يــس
هذه الآيات الواردة في سورة "يس" تجيب عن سؤال يوجه الى الفكر الديني المتفق عليه الذي يؤمن بعودة الإنسان للحساب، هذا السؤال الخالد أو هذا التساؤل المقترن بالإنكار يقول إننا حينما نرجع لقبر الإنسان بعد موته فترة من الزمن نجد أنّ اللحم والأعصاب وجميع ما في جسد الإنسان قد انتهى وبقي العظم. والعظم أيضاً أصبح رميماً وتراباً فكيف يمكن أن تعود هذه العظام وهذا الرميم بصورة الإنسان فيعود من جديد إنساناً يحاسب يوم القيامة؟ ومن الممكن أن يضيف الى هذا السؤال سؤالاً أعقد فنقول حتى العظام الرميم لا تبقى فإننا حينما نرجع الى مقابر الفينيقيين مثلاً أو مقابر القدامى من الناس نجد أنّ مقابرهم فارغة حتى من التراب وبطبيعة الحال الإنسان بعد فترة من الزمن حتى العظام التي تحولت الى رميم لا تبقى بحالتها، فالرميم والتراب ينتشر في أرجاء الأرض بواسطة الرياح، وتتحول الى الأرض الزراعية، وتدخل الى البحار، وتنتقل الى الجبال وتنتشر في أرجاء الأرض، كيف يمكن عودة هذه الأتربة المنتشرة في أرجاء الأرض والمتحولة الى البحر والى الجبل والى الأشجار عودتها جميعاً وتكوين إنسان واحد من هذه للمحاسبة؟
يقول القرآن الكريم:
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} فيجيب تلميحاً أولاً حينما يقول: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} وتفصيلاً في الآية الثانية حينما يقول: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. فيجيب عن التساؤل المقترن بالإنكار أنّ الله الذي خلق الإنسان لأول مرة، وخَلْق الإنسان للمرة الأولى أيضاً خلقٌ صعب، وجمع للشتات المنتشرة في أرجاء العالم. وتوضيح ذلك: أنّ كل واحد منا إذا فتش عن جسمه وعن بدنه، يرى أنّ جسمه يتألف من كميات من الأتربة المنتشرة في أرجاء الأرض، وذلك لأننا نربي أجسامنا بالأغذية والأشربة ومختلف مواد التغذية. وإذا لاحظنا أكلنا اليومي فنرى أنّ السكر مثلاً جاء من أقطار الأرض، والسكر في الأساس كان كمية من تراب الأرض دخلت في المصانع الإلهية التي نسميها بالنباتات، فتحولت الى المواد، التي تحولت بدورها الى السكر. فالسكر كمية من تراب الأرض من مناطق بعيدة تبتعد عنا آلاف الأميال. والشاي والخبز، وهكذا جميع المأكولات، هي في الحقيقة هذه المأكولات كميات من أتربة الأرض من مناطق مختلفة، أصبحت بشكل الغذاء، وقُدّم لنا، وأصبح جزءاً من جسدنا. واللحوم أيضاً قطع من أجساد الخرفان التي هي بدورها رعت في مناطق مختلفة فتحولت كميات من تراب الأرض الى الأعشاب ومواد التغذية المختلفة، فأكل منها الخروف، وأصبحت هذه المواد جزءاً من جسده، ثم تتحول الى لحم لتغذية الإنسان. وهكذا المياه التي نشرب، والأشربة التي نستعملها في حياتنا.
فإذا لاحظنا أنّ الإنسان، أي إنسان، يتكوّن في المرحلة الأولى من مجموعة من الأتربة المنتشرة في أرجاء الأرض، والتي تحولت الى المواد الغذائية فاجتمعت وكوّنت إنساناً، هذا في البدء، فلا غرو إذا تفرّقت عظام الإنسان وتحوّل الى أتربة، ثم انتشرت الأتربة في أرجاء الأرض فلا غرو إذا جمعها الله ثانية وحوّلها الى موجود واحد. والبداية أصعب من التجديد. وهكذا، يجيب القرآن الكريم على هذا السؤال بلسان هو لفت نظر الإنسان الى خلقه قائلاً له: أنسيت خلقك وتسأل وتوجّه هذا السؤال؟
ومن هنا ننطلق لكي نفهم معنىً جديداً للآيات التي تؤكد أنّ الإنسان خُلق من تراب. فمعنى ذلك لا أنّ الإنسان خُلق في الأساس من تراب فحسب، بل معنى آخر أنّ الإنسان، أي إنسان، في الحالة الحاضرة هو وليد المواد الغذائية التي يأكلها، أو الأشربة التي يشربها، وجميع هذه الموجودات من مختلف مناطق الأرض. فإذاً كل إنسان من تراب. والمقصود في تركيز القرآن الكريم على أنّ الإنسان خُلق من تراب تهذيب الإنسان، وإلفات نظر الإنسان بأنه خُلق من تراب الأرض لكي لا يطغى ولا يتكبر، ويشعر بأنه في الأساس كان من التراب وسيعود الى التراب، وإنما عظمته بتفكيره وبعزمه وبعلمه، وهذه أمانات الله التي أُعطيت للإنسان لكي يؤدي رسالة ويوصل أمانة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته