آيـة: وقـال الـذيـن لا يـرجـون
لـقـاءنـا
الآيات المتلوّة تبدأ بهذه الآية:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23)
الـفـرقـان
وهذه الآيات مرتبطة بالآية السابقة، عندما نستمع إليها:
{وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (الفرقان:20).
ومفهوم هذه الآيات المباركة، أو قسم من مفهوم هذه الآيات المباركة، يعود الى موقف الإنسان أمام الدعوة الحقة.
تحدثنا في بعض الحلقات السابقة، أنّ الأنبياء هم من البشر، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ولأنهم من البشر، أصبحوا حجة على الناس، ولا يمكن لأحد أن يقول: إننا كنا مؤمنين، لو كان عندنا ما عند الأنبياء من الإمكانات والظروف.
الأنبياء في حياتهم العادية كالإنسان العادي، لذلك لا يحق لأحد أن يتعذّر ويتذرع بأنّ النبي فوق البشر. لذلك، أنا لا أتمكن من ممارسة واجباتي وتحمل مسؤولياتي.
بعض الناس، الذين لا يريدون أن يعملوا، بعض الناس الذين استكبروا في أنفسهم، بعض الناس الذين عتَوا عتوّاً كبيراً، هؤلاء المعتذرون، الذين يعدّون أنفسهم فوق البشر، يقولون: لولا أُنزل علينا الملائكة. إنهم يريدون أنبياء من غير مستوى الإنسان، لأنهم وجدوا النبي إنساناً عادياً. كيف يمكنهم أن يتبعوا النبي وهو إنسان عادي؟
وبعضهم يريد أن يرى ربنا.
هذه الأعذار والحجج مرفوضة، لأنّ الدعوة هي المتّبعة. والنبي وسيلة إبلاغ الدعوة. وكونه إنساناً تأكيد على مسؤولية الإنسان.
أما إذا كان الإنسان يرى الملائكة، أو يرى الغيب، أو يرى أموراً خارقة، عند ذلك على حد تعبير القرآن الكريم:
{لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} (الفرقان:22) : مسؤولية الإنسان تزداد.
وتوضيح هذه النقطة، أنّ الدعوات الإلهية تأتي بالطريقة العقلية، وبالطرق المنطقية، لا بالطرق الغيبية. إنّ معجزة الأنبياء هي لأجل التصديق. ولكن لا يمكن للنبي أن يقوم بمعجزة مع كل حكم يجعل الإنسان مسؤولاً أمام أعماله، بعد أن صدق الأنبياء بالمعجزة، أو يصدق الدعوة، أبو بوضوح التعاليم. عند ذلك، الإنسان هو المسؤول عن العمل.
فلو افترضنا أنّ الإنسان الذي يقوم بالواجبات، كان يُؤْجَر فوراً. مثلاً، لو كان الإنسان عندما يصلّي في المسجد ويخرج يؤجر فوراً، فيقدّم له ما أو جاه، أو غير ذلك، لكانت الرغبة الى التعاليم والى الأعمال والى المسؤوليات نوعاً من التجارة. ما كان للعمل من أجر أو من قيمة عند ذلك.
إذاً، التربية تتطلب أن لا يكون الأجر سريعاً للعمل الصالح. وأكثر من ذلك، ربما يشعر الإنسان المؤمن ببعض الصعوبات، أمام تحمّل مسؤولياته، ذلك لزيادة التربية. لأنّ الإنسان إذا قام بواجب، وتحمّل بعض المتاعب والمصاعب، يكتمل. لأنّ عمله يتحول الى نضال والى سعي حثيث، والى قوة وكمال. والقرآن الكريم، في مواضيع عديدة منه، يشير الى هذه النقطة، بأنّ الإنسان قد يتعرّض لأخطار عندما يقوم بواجباته، فهذا كمال للإنسان. وأنّ الذي لا يعمل، أو الكافر، أو المنافق، قد يحصل على مزايا حياتية في العالم، فهذه زيادة في امتحان المؤمنين وابتلائهم. وزيادة في جعل العمل الصالح وسيلة للكمال في حياة الإنسان.
وفي بعض الآيات، يصل القرآن الكريم الى درجة قائلاً:
{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} (الزخرف:33).
أي، أنّ العمل الصالح، وهو الذي يصدر لخدمة الناس ولتغيير في الفرد وفي المجتمع، يعاني الإنسان العامل به بعض الصعوبات. والكافر الذي لا يريد الخير للمجتمع، ولا يريد تحسين وضع الفرد والأمة، من الطبيعي أنه ينال الراحة، وأنه يستأثر بالخيرات، وأنه يحتكر الأمور، والأموال، والجاه، وأمثال ذلك.
يؤكد القرآن الكريم، أنّ كل هذه المراحل، أي عدم أجر الإنسان المؤمن على عمله فوراً، تعرّضه للصعوبات أحياناً، نيل المنحرفين والكافرين للمتع والخيرات، زيادة ثروة المنحرفين والمنافقين في كثير من الأموال، كل هذه امتحانات من الله، وابتلاءات منه، يجب أن تكون سبباً لشدة تمسك المؤمن بأعماله، بمسؤولياته. كما أنّ أسلوب الدعوة، يجب أن يكون أسلوباً عادياً، وإلاّ فلو رأى الإنسان الملائكة، أو شاهد المعجزة مع كل حكم، فلا فضل له في إطاعة هذه الدعوة.
المطلوب من الدعوة الكمال، والكمال لا يحصل إلاّ بالإرادة، والاختيار، والانتقاء. فعلى الإنسان أن يُشعر نفسه دائماً، في صراع بين الخير والشر، فيختار الخير بملء إرادته. لا خوفاً من الملائكة، ولا خوفاً من حدوث المعجزة، ولا رغبة في الأجر السريع، ولا رغبة في البعد عن المصائب والمشكلات، بل إرادة ثابتة منطلقة من الرغبة في الكمال، عبادة الله، خدمة الناس.
لذلك، عذر الذين لا يعملون مرفوض، بل لو رأَوا الملائكة لا بشرى لهم عند ذلك، لأنه لا حجة من ذلك عليهم. عند ذلك لا بشرى يومئذ للمجرمين. وكل ما عملوا نتيجة للظروف غير العادية، كله يُجعل هباءاً منثوراً. لأنه لا يؤدي الى كمال الإنسان، بل عمله عند ذلك خرق للعادة، أو خوف من المصيبة، أو طمع في الأجر. وهذا ليس كمال الإنسان.
إنّ الإنسان يكتمل عندما يختار الخير الشاق بملء إرادته. والصيام من أفضل أنواع هذا النوع من العمل الشاق، ودون شك، إنه يؤدي الى كمال الإنسان، الذي نسأل الله أن نكون ممن نصل إليه في هذا الشهر المبارك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته