آيـة: قـد أفـلـح
الـمـؤمـنـون
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
المـؤمـنـون
أعتقد أننا في العشر الأخيرة من شهر رمضان الكريم، أي فترة الاستنتاج، علينا قبل كل شيء أن نحاسب أنفسنا، فإذا أخذنا من شهر رمضان، هذه الفرحة الإلهية التي تقوّي أجسادنا، وتنير عقولنا، وترهف مشاعرنا وأحاسيس قلوبنا. نسأل الله أن نكون ممن يقول النبي عنه: "فإنّ الشقي مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم".
ولكي نتمكن من معرفة استفادتنا من شهر رمضان المبارك، ومدى هذه الفائدة، نضع في هذه الليلة مع هذه الآيات الكريمات، مرآة صافية أمام أعيننا، هذه المرآة التي تفسر مفهوم المؤمن، هل وصلنا الى هذه الدرجة أم نحن في طريق الوصول الى هذه الدرجة؟ هذا هو الجواب عما إذا كنا من المستفيدين من هذا الشهر أو من المحرومين من فوائد هذا الشهر.
السورة تقول:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. المهم أنّ المؤمن هو الناجح، ولكن مَن هو المؤمن بالدرجة الأولى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. لا يمكن أن يستغني الإنسان المؤمن عن الصلاة وعن الخشوع في الصلاة، وذلك لأنّ الصلاة ضمانة الإيمان، الصلاة توجّه الى الله (سبحانه وتعالى)، والحركات عندما تكون خاشعة، أي أنّ الصلاة تأخذ جسمنا بحركاتنا، وعقلنا باتجاهنا، وقلبنا بخشوعنا نصلّي لله بكل وجودنا، وهذه الصلاة تضمن إيماننا.
أما إذا تركنا الصلاة، استخفينا بالصلاة، أو لم نكن خاشعين في الصلاة، أو لم نهتم بشؤون الصلاة. فهذا الضعف في الممارسة يؤدي الى الضعف في الإيمان، والقرآن الكريم في أماكن عديدة يؤكد أنّ الذي يقوم بالأعمال السيئة، أو لا يمارس واجباته، فإنه معرّض للإلحاد والانحراف والكفر. لأنّ ترك الممارسة يؤدي الى ضعف الأساس.
إذاً، الصلاة ضمانة لبقاء الإيمان. وهي تجعل الإيمان ينتشر ويتعمق بكل وجود الإنسان. عند ذلك الإنسان يشعر بالمسؤولية الكاملة، ويعرف أنّ الوقت عزيز، وأنه مسؤول عن إسعاد أمّته، وعن كمال نفسه، وعن كمال إخوانه.
من الطبيعي عندما يشعر الإنسان بهمّ وبمهمة وبهدف لا يورط نفسه في الباطل، ولا يجعل وقته يُهدر لهواً أو لغواً. إذاً، المؤمن هو الذي عن اللهو يُعرض، أي لا يمارس عملاً باطلاً، لأنه عندما يمارس عملاً باطلاً لاغياً يغني ساعة من حياته أو يوماً من عمره أو أكثر، وعندما يشعر أنّ عليه المسؤولية، وعليه أن يتحرك بكل وجوده، لكي يستفيد من عمره في سبيل خدمة الله وإسعاد البشر، من الطبيعي أنه يُعرض عن اللغو. ثم إنّ الإيمان لا ينفصل عن الاهتمام بشؤون المعذبين. ونحن قد أكدنا أكثر من مرة في هذه الندوة أنّ الإيمان الحقيقي ذو بعدين: بعد إلهي متجه الى الله، وبعد بشري متجه الى الناس، فلا يفترقان.
إذاً، فالمؤمنون هم الذين للزكاة فاعلون. وبعد ذلك فالإنسان له طاقات وله حاجات، فكما حاجته الى الأكل والشراب من الله (سبحانه وتعالى)، الى الجنس أيضاً حقيقة وواقع يعيشها الإنسان في حياته.
فإذا أعطينا لكل حاجة ما يحتاج الإنسان إليه من تلبية، وما تجاوزنا الحدود الحقيقية، وما تركنا أن تطغى حاجة على سائر الحاجات، فالحاجة وتلبيتها تصبح نعمة من الله (سبحانه وتعالى)، وقد أكد القرآن الكريم والأحاديث الشريفة أنّ حاجة الإنسان الى الزواج نعمة من الله، سبب لكمال الإنسان، وتلبية هذه الحاجة نعمة من الله أيضاً. ولكن إذا جعل الإنسان ينمي هذه الحاجة ويطغى على حساب بقية الحاجات، فهذا انحراف. كما أنّ الأكل إذا طغى طغت حاجته على الإنسان، وجعلت سائر الحاجات خافية أمام هذه الحاجة، فهذا انحراف.
ولذلك، يؤكد القرآن الكريم: أنّ المؤمن هو الذي يحفظ فرجه إلاّ على زوجه، عند ذلك ليس ملوماً، بل ممدوحاً من الله (سبحانه وتعالى). ثم يضيف القرآن الكريم أنّ المؤمن هو الذي يرعى أمانته وعهده ويحافظ على صلاته، أولئك هم الوارثون سعادة الدنيا والآخرة.
والبقاء أمام هذه الكلمة ضروري بعض الوقت، رعاية الأمانة ورعاية العهد
{إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (الإسراء:34). الأمانة من الله، والأمانة من الناس، وأمانة الذات يجب مراعاتها، والذي يتخلف عن أداء الأمانة ولا ينفّذ عهده فهو منحرف وليس بمؤمن.
إذاً، ليس الإيمان هنا إيماناً تجريدياً، بل يجب أن يقترن بالصلاة وبالإعراض عن اللغو، وبالاهتمام بشؤون المساكين ويحفظ الفرج على الحلال، وبالحفظ للأمانة والعهد هؤلاء هم المؤمنون الناجحون.
نسأل الله أن نكون منهم، وأن نستعين بالصيام للوصول الى مثل هذا المقام، وقد أُمرنا في القرآن الكريم
{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45). فسرّ الصبر بالصيام، فلنحاسب أنفسنا حتى نعرف مدى وصولنا الى هذا الحد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته