بسم الله الرحمن الرحيم
يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)
الأعراف
في هذه الآيات يضع القرآن الكريم أسس البقاء للأمة، ويختمها بالآية التي تؤكد وجود الأجل للأمم، وأنها تموت كما يموت الفرد. وأنها لا تبقى لحظة واحدة إذا فقدت مبررات وجودها وقواعد بقائها وشبابها.
هذه الأسس تتلخص في النقاط التالية:
الأولى: ما يستفاد من قوله تعالى:
{خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. وفي التفاسير أنّ الزينة هي السلاح، أو ما يشمل السلاح. والمفهوم من الآية عند ذلك أنّ العبادات تقترن بحمل السلاح، وأنها لا تنفصل عبادة الله في المساجد عن العبادة في موقف الدفاع، وفي الساحات، وعند عدم الركون الى الظالمين. ويشير الى هذه المقارنة، أنّ كلمة "المحراب" تُستعمل لمكان صلاة الإمام، أو لمكان الصلاة بصورة عامة. والكلمة اشتُقت من الحرب. كما وأنّ صفوف الجماعة، وانضباط المصلّين، ووضع الإمام المشابه لوضع القائد، وما ورد في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف:4)، هذه القرائن تلقي أضواء على فهمنا هذا.
ولأجل المزيد من إيضاح هذا البحث، علينا أن ننتبه الى الروايات التي تؤكد الصالحات من الأعمال، والى الآيات التي تعدّ الأعمال الخيّرة، خلال أماكن مختلفة من القرآن الكريم.
والمحصّل من هذه المقارنة أنّ الأمة الحية هي التي لا تتجه في كمالها، وسعيها، الى الصلوات والعبادات فحسب، تاركة أمر الدفاع للآخرين. ولا تتجه نحو العكس من ذلك، بأن تستعمل العنف، وتترك الصلوات والرحمات والعبادات. بل إنها تقرن الأمرين، فلا استسلام للقوة، ولا طغيان على الضعيف، بل الحق في كل حال.
الثانية: مفهوم قوله تعالى:
{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. فالاعتدال في السلوك وفي الحياة، وعدم الإفراط والتفريط شرط أساسي لبقاء الأمة والقرآن الكريم له مواقف أمام البخلاء، وأمام المطففين، وأمام المسرفين والمبذرين أيضاً. مع العلم أنّ المشكلة المعاشة في هذا العصر، تعود - الى حد كبير - الى فقدان هذا التوازن، والاعتدال في الحياة، سيما أمام الحاجات التي تتزايد، لأسباب تعود الى زيادة الإنتاج، لا لزيادة الحاجات، والوسائل المستعملة في الإعلام، والتي يستعملها المنتجون، بصورة وافرة، تزيد في اصطناع هذه الحاجات.
إنّ حاجات الإنسان يجب أن تلبّى، ولكن الضرورية منها، أما غير الضرورية فهو إسراف وتزييف للحاجة، ولا حدود لها، وتلبيتها تؤدي الى التهام جميع الأوقات، وجميع النشاطات، وتجعل الإنسان أسيراً في دوامة الحاجات المتزايدة المصطنعة.
ولأجل إيضاح هذا المبدأ وإعطائه الاهتمام الكافي نقرأ في الآية الأخرى قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}، فالحاجات الأساسية للإنسان تشتمل على الكماليات، وعلى استعمال الزينة، وعلى التمتع بالطيبات من الرزق، ولا يمكن منع الإنسان عنها، ولا يجوز، فالله يريد أن يرى آثار نعمته على عبده، على حد تعبير الحديث الشريف. ولكن المطلوب أن نضع حداً للحاجات المتزايدة التي تحصل بواسطة الدعايات، والمنافسات، أو الرغبة في البروز، والتبجح، وغير ذلك من العوامل النفسية. وبكلمة: علينا أن نتجنب الحاجات التي تفرض علينا وسائل الإنتاج، فيصبح كما هو اليوم اقتصادنا اقتصاد الاستهلاك.
ثالثهما: ويختم القرآن الكريم، الأسس الضرورية لبقاء الأمة، بتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبالخروج عن السلوك المستقيم، والظلم، والشرك بالله، والافتراء على الله، ويتلخص مفهوم هذه الآية بالانحراف، والمبالغة في الاستهلاك، وهذه هي النقطة الثالثة.
ثم الظلم، بجميع أنواعه: مع الله فهو الشرك، ومع النفس، وهو هدر الطاقات أو صرفها فيما لا فائدة فيه. وأيضاً الظلم مع الآخرين، بالاغتصاب، والاتهام، والإيذاء والتخلّف في المواعيد. وهذه هي النقطة الرابعة للأسس التي تعتمد الأمة عليها في بقائها. فعلينا، برعاية هذه الأسس، لأنّ عدم رعايتها يجعل الأمة معرّضة للخطر، وإذا جاء الأجل لا يمكن تقديمه ولا تأخيره. أعاذنا الله من كل ذلك، وساعدنا أمام الظالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته