آيـة: لا يحـب الله الجـهـر بـالـسـوء
مـن الـقـول
بسم الله الرحمن الرحيم
لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)
الـنـسـاء
أيضاً، مثل كل ليلة، هذه الآيات تحتوي على مجموعة مبادئ وأبحاث وتعاليم. وندواتنا المتواضعة، لا تحتمل كل هذه الأبحاث. ونتشرف بأن نفكر، ونقف متأملين بعض الشيء أمام الآية الأولى من هذه الجولة، وهي الآية التي تلاها الأستاذ شريف الأخوي، حفظه الله، في هذا الوقت المبارك:
{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ}.
السوء من القول، يعني القول السيئ. عندما يجهر به الإنسان، لا يحب الله هذا الجهر. وهذا يعني، الغِيبة، لأنّ الغِيبة هي جهر بالقول السيئ. عندما يذكر الإنسان أخاه الإنسان، بالقول السيئ فقد جهر بالسوء من القول. وهذا موقف لا يحبه الله. وسبب عدم حب الله له لأنّ هذا الموقف هو يضر الإنسان أقصى ضرر ممكن. والسبب في ذلك، أنّ الغِيبة، أو ما عبّر عنه القرآن الكريم في هذه الآية:
{الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ} عبارة عن ذكر الإنسان أخاه بما يكرهه أو يغضبه أو يشينه.
وهذا يعني، أنّ الإنسان بكلمته يكشف عيوب الناس، ويفضح الغائبين، ويزعزع ثقة الناس فيهم. وإذا تعمّقنا في هذا الموقف، وأخذنا بعين الاعتبار أنّ الإنسان يعيش بين مجتمعه ويخدم مجتمعه، ويستفيد مجتمعه من كفاءاته، بثقتهم، بثقة الناس في الإنسان. فعندما نراجع الطبيب لمعالجة مريض، ثقتنا في الطبيب تدعونا الى مراجعته، أما إذا لم نكن واثقين من سلوك طبيب فإننا لا نرجع إليه أبداً. كذلك مراجعتنا للمعلّم، أو للمهندس، أو للبائع، أو للعالم الديني، أو للحاكم، يعتمد كل ذلك على ثقتنا به.
فالثقة بالشخص، وجوده، حياته، فائدته للمجتمع، مشاركته في الحياة العامة. أما إذا انتزعت الثقة، فمعنى ذلك أنه مات، على الصعيد الإجتماعي. فقد المجتمع هذا الشخص.
{وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}
(الحجرات:12) يضيف القرآن الكريم مفلسفاً هذا النهي بقوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات:12).
والحقيقة، أنّ الغِيبة، تماماً، منزلتها منزلة مَن يقص لحماً من أخيه الميت، أو أخيه الغائب. عند ذلك بإمكاننا أن نشبّه أنّ الإنسان الذي يعيش ضمن مجتمعه بثقة المجتمع فيه. فالثقة، وجوده، وكل غيبة له، وذكره بالسوء من القول طعن، وطعنة في حياته الاجتماعية. أو قص قطعة من جسمه، وقطعة من لحمه. وهذا يعني أنّ الغيبة تؤدي الى إماتة الإنسان اجتماعيا. والى فقد ثقة الناس، وزعزعة حياة الناس والقضاء على الثروات الاجتماعية المتوفرة داخل المجتمع.
ومن الطبيعي أنّ الذي يغتاب غائباً، ويساهم في موته الاجتماعي يضرّ نفسه. لذلك، عبّر القرآن الكريم:
{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ} فكأنه يقتل أخاه. وكذلك في الروايات الواردة في المعراج أنّ الرسول (عليه الصلاة والسلام) رأى ليلة المعراج أنّ قوماً يقصّون لحومهم بالمقاريض فيأكلونها، فسأل عن ذلك، فقالوا له: هؤلاء هم المغتابون. نفس الصورة التي نراها في هذه الآية، أنّ الإنسان بالغيبة يأكل لحمه، أو لحم أخيه.
الغيبة هذه من المصائب الاجتماعية التي يُبتلى بها المجتمع المتخلّف، الذي يعيش الفراغ. فلا يجد ما يشتغل فيه وما يسلبه، إلاّ التحدث عن الغائبين، ويؤنس حياته الخاصة والعامة، بذكر الآخرين، وهو لا يدري أنه يحطّم مجتمعه.
حرمة الغيبة لا تعني عدم جواز غيبة الظالمين وانتقاد الظالمين، ولذلك القرآن الكريم يستثني قائلاً:
{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}.
فالغيبة محرّمة، ولكن حرمة الظلم أكثر. حتى أنّ الغيبة تجوز بالنسبة الى الظالمين. وإلاّ فالظالم إذا بقي محفوظ الجانب، لا يُنتقد، ولا يقال عنه شيء، ولا يعاب في المجتمعات سراً وعلانية، فسوف يستمر في طغيانه وظلمه. وسوف يبقى ظالماً، ويتعرّض المجتمع لتعميم ظلمه. ولذلك، فغيبة الظالم كنبذ الظالم، جائزة. والله (سبحانه وتعالى) هو الرقيب على ذلك.
والقرآن الكريم يضيف:
{وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}، ولا بد من الإضافة الى أنّ الغيبة أخف من التهمة. فالغيبة هي ذكر عيب موجود في الإنسان الغائب، أما التهمة فهي ذكر عيب غير موجود في الإنسان الغائب. بدون شك، أنّ التهمة تركيب من الغيبة ومن الكذب، فلها ما للعيبين معاً من النتائج والمساوئ.
وشهر رمضان، الذي يجعل الإنسان يمنع نفسه عن الرغبات، يسهّل للإنسان أن يمتنع عن الغيبة. وقد ورد في الأحاديث: "رب صائم ليس له من صومه إلاّ الجوع والعطش". الذي يصوم ويغتاب، هذا يتعذب بالعطش والجوع: ولكن صيامه لا يوصله الى التقوى المطلوبة من الصيام.
نسأل الله أن يعصمنا من هذا العيب الكبير، الذي ينبع عن مرض في النفس، وعن سوء في الخُلُق، وعن عجز وضعف في القلب، وعن حقد سافر ودفين في الذات.
نسأل الله أن يصوننا عن ذلك، رغم أنّ هذا المرض منتشر جداً في مجتمعاتنا، ونسميه أسماء مختلفة، من نقد، ونكتة ومزاح، وسهرة، وأنس. ولكن نحطّم أنفسنا بأنفسنا، ونخرب بيوتنا بأيدينا. وبتعبير القرآن الكريم نأكل لحوم إخواننا وهم غائبون ، نسأل الله أن يصوننا من ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته